الفيض الكاشاني

104

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

عن السؤال مع الغنى « فسئل عن الغنى ، فقال : غداؤه وعشاؤه » ( 1 ) وقال آخرون : يأخذ إلى حدّ الغنى وهو نصاب الزكاة إذ لم يوجب اللَّه الزكاة إلا على الأغنياء ، فقالوا : له أن يأخذ لنفسه ولكلّ واحد من عياله نصاب زكاة وقال قائلون : حدّ الغنى خمسون درهما لقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من سأل وله مال يغنيه جاء يوم القيامة وفي وجهه خموش ، قيل وما غناه ؟ فقال : خمسون أو قيمتها من الذهب » [ 1 ] وقال قوم : أربعون لقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من سأل وله أوقيّة فقد ألحف في السؤال » [ 2 ] وبالغ آخرون في التوسيع فقالوا : له أن يأخذ مقدار ما يشتري به ضيعة فيستغني به طول عمره أو يهيّئ بها بضاعة ليتّجر فيها ويستغني لأنّ هذا هو الغنى فهذا ما حكي فيه ، أمّا التقليل إلى قوت اليوم أو الأوقيّة فذلك ورد في كراهية السؤال والتردّد على الأبواب ، وذلك مستنكر وله حكم آخر ، بل التجويز إلى أن يشتري ضيعة فيستغني بها عن السؤال أقرب إلى الاحتمال وهو أيضا مائل إلى الإسراف » . أقول : بل هذا هو الأصحّ وهو المستفاد من أخبار أهل البيت عليهم السّلام ولا ينافيه النهي عن السؤال لمن له قوت اليوم أو الأوقيّة لأنّ السؤال مذموم مطلقا كما يأتي ، والأخذ من غير سؤال إلى هذا الحدّ جائز سيّما إذا كان متعلَّق القلب بأمر المعاش بدونه ولم يتفرّغ همّه للعلم والعبادة ولم يكن صاحب توكَّل . قال أبو حامد : « والأقرب إلى الاعتدال كفاية سنة فما وراءه فيه خطر وفيما دونه فيه تضييق وهذه الأمور إذا لم يكن فيها تقدير جزم بالتوقيف فليس للمجتهد إلا الحكم بما يقع له ، ثمّ يقال للورع : استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك كما قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ( 2 )

--> ( 1 ) أخرجه ابن حزم في المحلي ج 6 ص 152 . ( 2 ) قد مر في المجلد الأول عن أحمد رواه في المسند ج 4 ص 228 . [ 1 ] رواه ابن ماجة في السنن تحت رقم 1840 والخموش كالخدوش ووزنا ومعنى ورواه غيره من أصحاب السنن وقال الترمذي حسن وضعفه النسائي . [ 2 ] أخرجه ابن حزم في المحلي ج 6 ص 153 ، والنسائي ج 5 ص 98 وفيه « وله قيمة أوقية » .